المنجي بوسنينة
259
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
المختلفة ، فأفرد للقراءات على أبي محمد عبد الوهاب السلار وغيره ، وجمع للسبعة على إبراهيم الحموي ، ثم قام بالحج سنة 768 ه ، فقرأ على إمام المدينة المشرفة محمد بن صالح الخطيب . بعد ذلك رحل ابن الجزري إلى الديار المصرية سنة 769 ه لجمع القراءات للاثني عشر ، وقراءة « التيسير » و « الشاطبية » على عبد اللّه بن الصائغ ( الشاطبية منظومة للشاطبي المتوفى 590 ه ، وقد نظم فيها كتاب « التيسير في القراءات السبع » لأبي عمرو الداني المتوفى 444 ه ) . ثم رجع ابن الجزري إلى دمشق فولي القضاء بها ، وانتقل بعد ذلك إلى بروسية ، ثم إلى ما وراء النهر حيث نفي بأمر تيمورلنك . وبعد موته سافر إلى خراسان ، وأصبهان ، والبصرة ، واليمن وغيرها ، طالبا ومعلما للقراءات والحديث النبوي والفقه الشافعي . وأخيرا انتهى به المطاف إلى شيراز ، حيث ألزمه سلطانها بتولي القضاء بها ، وقد لبث بها إلى أن توفى سنة 833 ه ، ودفن بدار الإقراء التي أنشأها بها . بهذه الرحلات المتعددة في طلب العلم اكتسبت شخصية ابن الجزري خبرة مستوعبة لتراث الأمة الإسلامية في علوم الرواية المختلفة ، ولا سيما علم القراءات الذي يحظى فيه ابن الجزري بمكانة خاصة بين علماء المسلمين على مر العصور ، لذلك أذن له غير واحد من شيوخه بالإفتاء والتدريس والإقراء ، منذ وقت مبكر في حياته ، مثل ابن كثير ( ت 774 ه ) والبلقيني ( ت 805 ه ) ، وغيرهما . وقد لقب بالإمام « الحافظ » ، أو « حافظ » القراء ، وهو مصطلح علمي ظهر متأخرا نسبيا في تاريخ الثقافة الإسلامية للدلالة على تمكن صاحبه من حفظ القراءات القرآنية ، أو رواية الحديث النبوي ، وإن كان لا يخلو أيضا من الدلالة المنهجية على ثقافة العصر . كذلك وصفه ابن حجر بأنه الرجل الذي انتهت إليه رياسة علم القراءات في الممالك الإسلامية ، وإن اتهمه بعض معاصريه - ربما نفاسة عليه - بالمجازفة في القول ، والإغارة على مرويات الآخرين أحيانا ونسبتها إلى نفسه ، وهي صفة - إن صح رميه بها - لم ينفرد بها ابن الجزري بين المتأخرين ، كما يقول بعض الرواة في الدفاع عنه . وينتمي ابن الجزري إلى القرن التاسع الهجري ، أحد القرون الممتدة خلال المرحلة الوسيطة في تاريخ الحضارة الإسلامية ، من سقوط بغداد إلى قبيل عصر النهضة الحديثة ، وفيها تزايد اعتماد العلماء على الرواية عن السابقين ، وترديد ما دوّنوه ، وجمع ما تفرّق منه . وذلك بسبب تناقص الاهتمام بالعلوم بعد هجوم التتار ، واستيلائهم على بغداد ، واختفاء المذاهب العقلية بعد القضاء على المعتزلة ، حاملي لواء النهضة الفكرية سابقا ، بالإضافة إلى شيوع العصبية المذهبية نتيجة للتدهور العلمي الذي شهدته هذه المرحلة . وفي إطار هذه الحقبة الثقافية الخاصة ، تأتي جهود ابن الجزري تحمل طابعا إيجابيا ، إذ تعنى على الخصوص بجمع الروايات المتفرقة حول القراءات المعتمدة للنص القرآني : السبعة ، ثم العشرة ، ثم ما عدا ذلك من الروايات غير المتواترة ، مما تنطبق عليه شروط القراءة عنده . وكان الشائع عند الناس الاتفاق على السبعة ثم العشرة مطلقا ، باعتبار التواتر ، حيث لم ينل